الجمعة، 15 نوفمبر 2013

المرفعين (الجزء الثاني)

 قبل طلوع الفجر عاد الزوج إلى أسرته الجديدة و معه العربة ليرحل مع عروسه إلى بلده. و أخرجت العائلة أغراض ابنتهم العروس و وضعوها في العربة و تأهبوا لوداع ابنتهم بذرف الدموع الحارة والعناق إلى آخره , و ما أن ركبوا داخل العربة حتى دوت في القرية  أصوات عالية و صريخ شديد ، فأجفل الجميع و قال الوالد لصهره : دعنا نذهب إلى القرية لنعرف مصدر الأصوات. بدا الضيق على زوج الابنة باديا بوضوح و تغيرت نظرته و قال للأب : أنا تأخرت و أريد الرحيل فوراً. اذهب أنت و دعنا نرحل.
هنا تفاجأ الأب جدا من هذا الأسلوب المخلتف لصهره المهذب اللطيف ، و أحس بأنه ربما أثقل عليه ، فتحرك جانباً من العربة و قال له اذهبا رافقتكم السلامة.
و هرع الأب إلى القرية ليعرف أسباب الصريخ ، و هناك وجد حشد من القرويين متجمهرين حول بيت العجوز الذي تحدث معه الليلة الماضية و حذره من زوج ابنته و أحس بانقباض في صدره بينما كان يقترب. و عمدما وصل إلى باب البيت هاله و راعه الدم المتناثر بغزارة في كل مكان و نظر إلى وجوه أهل القرية فصدم لمنظر الخوف المرسوم على وجوههم ، وصاح فيهم ماذا حدث ؟ ما هذه الدماء ؟؟ بوجوم شديد أشاروا إليه أهل القرية إلى بقعة في منتصف الطريق ، و عندما أمعن النظر إليها أحس بأن كل شيئ في معدته قد خرج منها فوراً  و لم تعد تحمله قدماه فركع على الأرض ينظر إلى الرأس المسجى أمامه ، و العيون الجاحظة فيه التي فقدت بريق الحياة. هذا رأس الشيخ الذي حذره من زوج ابنته ، و لم يفكر بما قاله له إلا الآن، و أخذ يفكر أيعقل أن يكون هذا مصادفة! و تذكر غياب صهره الذي طال أكثر مما يجب لاحضار العربة ، وتذكر غضبه و نظرته القاسية حين طلب منه الذهاب لتفقد القرية. كل هذه الأفكار عبرت رأسه كالصاروخ و أخذ يلطم على خده و يقول : آه يا ابنتي !! ماذا تراني أكون فعلت بك؟ و أخذ يبكي فتجمع حوله القرويون يسألونه و هم قلقين عن الذي حدث فأخبرهم بكلام الرجل المسن له في الحفل و كيف أن الهلع تملكه حين كان ينظر إلى زوج ابنته ،و كيف أن هذا الزوج أخافه بنظراته حين طلب منه تفقد القرية و أصر على الرحيل بسرعة.
ترى ماذا يكون هذا الشئ الذي لا يرمش بعينيه البتة؟
هنا تقدمت منه سيدة عجوز ، و قالت له: " لقد أخطأت خطأً كبيراً عندما لم تصغي إلى كلام من هو أكثر منك خبرة و معرفة ، و كان عليك أن تتأكد من هذا الزوج أولا و تسأل عنه في الكان الذي ذكر أنه أتى منه. و حسبما أعتقد فقد رميت بابنتك إلى التهلكة ، فإن زوجها كائن يسمى المرفعين ، و هو قاس بلا قلب و لا يمكن قتله أبدا ، و الطريقة الوحيدة التي تنجيك من أن يقتلك أنه يأتيك من اليسار ، لذا مهما كان الأمر لا تلتفت إلى اليسار أبدا و يبدو أن الشيخ نسي الحذر فقتله الكائن لأنه يعلم بأنه اكتشف هويته ، و هو لديه سمع خارق للعادة. و الآن ابنتك في خطر عظيم ، فإما أنه سيأكلها و إما أنه فعلا يريدها أن تنجب له و سوف تتحول أيضاً إلى جنسه.
تدلى فك الأب حتى كاد يصل إلى الأرض ، و هو يسمع كل هذا الكلام. فقال للعجوز : "و ماذا أفعل؟"
قالت له العجوز حاول أن تلحق بابنتك حالاً و أخبرهما بأن أمها مرضت فجأة بعد رحيلها لحزنها الشديد لفراقها  ، و اياك أن تبعد عيناك عن عينيه، و حاول أن تجعل نظرتك اعتيادية  ، و الأهم من ذلك كله لا تلفت إلى جهة اليسار مهما كان ".
و ابتعد الوالد و هو يجر قدميه جراً ، حتى وصل إلى بيته و أخذ يعد العدة للحاق بابنته، و كانت زوجته قد استطارت شراً لما رأت هيأته التي أتى بها من القرية ، و سألته عن الذي حدث فلم يرد ، و سألته إلى أين ينوي السفر فلم يرد عليها أيضاَ ، و كان يفكر طول الوقت و هي تسأله كيف سيجيبها؟ وفضل أن يلتزم الصمت ، وكل الذي قاله لها : بأنه سوف يسافر لأمر هام جدا و أنه لن يتأخر في العودة.
تحرك الوالد فوراً بالاتجاه الذي ذهب به صهره ، و تذكر اسم المكان الذي أخبره بأنه يسكن فيه و هو نفسه مكان عمله . و كان يأمل طوال الرحلة أن يلتقي بهما قريباً قبل وصوله إلى بلده حيث فكر أنه ربما يكون هناك كائنات أخرى مثله و يتجمعون عليه هو و ابنته ، ولكن إن كان فقط هو فإن الأمر ليس بصعب إن تحكم بأعصابه و لم يلتفت إلى اليسار.
يتبع..........

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق